مقالات

تحية لـ مارتي

تاريخ: 

28/01/2008

مصدر: 

Cubadebate
قبل خمس سنوات انعقد في العاصمة الكوبية المؤتمر الدولي من أجل التوازن في العالم، الذي شاركت فيه وفود من  43 دولة من جميع القارات لتكريم خوسيه مارتي في ذكرى مولده الـ 150.

في مساء يوم 29 يناير 2003 القيت كلمة أمامهم وبسبب الصدفة أو الأقدار تكرر نفس ما جرى  في عام 1953 حتى وإن كان على نحو شديد الاختلاف. في تلك المرة كان علينا أن نكرم ذكراه بتحرير الوطن من نير الإمبريالية، أما الآن فعلينا أن نكافح في ميدان الأفكار ضد التهديدات الناجمة عن كلمة رئيس الولايات المتحدة في أكاديمية (وست بوينت). وما عبرتُ عنه في ذلك اليوم، ووفقا لقناعاتي العميقة، شكل نقطة انطلاق لجزء هام من التأملات/ المقالات التي كتبتها في مرحلة النقاهة التي وقع علي أن أعيشها. إنها تحيتي التكريمية المتواضعة لمعلمنا (خوسيه مارتي) وهكذا أحيي أيضا مئات المثقفين ورجال الفكر الذين يتلاقون مرة أخرى بالغرض نفسه: تكريم خوسيه مارتي في الذكرى الـ 155 لميلاده. لعلني لا أملك وسيلة أخرى لفعل ذلك، وعليه أسئل صحافيينا أن ينشروا كلماتي إن أمكن في صفحات داخلية، لكي لا تقل المساحة لأخبار هامة أخرى حول هذا الاحتفال.

فيدل كاسترو روز

الخطاب الذي ألقاه فيدل كاسترو، رئيس جمهورية كوبا، في ختام المؤتمر الدولي من أجل التوازن في العالم، بمناسبة الذكرى 150 لميلاد بطلنا القومي، خوسيه مارتي، يوم 29 يناير 2003.

المشاركين في المؤتمر الدولي من أجل التوازن في العالم لتكريم الذكرى 150 لميلاد خوسيه مارتي الكرام ؛
الضيوف  الكرام؛
أبناء الوطن :
ماذا يعني خوسيه مارتي للكوبيين؟:

في وثيقة بعنوان (الاعتقال السياسي في كوبا) كتبها مارتي عندما كان عمره 18 عاما وبعد معاناة قاسية جربها بسبب مفعول أغلال الحديد على قدميه قال: "رغم كل شيء هناك إلاه في فكرة الخير التي ترافق ميلاد كل مخلوق  ويترك في الروح التي تتجسد فيه دمعة نقية. الخير هو الله. والدمعة هي مصدر العواطف الأبدية ".

لدينا نحن الكوبيون، مارتي يجسد فكرة الخير التي وصفها.

ونحن الذين قمنا في 26 يوليو 1953باستئناف الكفاح من أجل الاستقلال، النضال الذي بدأ في 10 أكتوبر من عام 1868 ، عندما صادفت  بالضبط مائة سنة من ميلاد مارتي، كنا قد تعلمنا منه قبل كل شيء المبادئ الأخلاقية التي لا يمكن بدونها حتى التخيل بالثورة. كما تلقينا منه أيضا الحس بالوطنية الملهمة والشرف العظيم والكرامة الإنسانية. وهذا لم يـكن بإمكان أحد في العالم غيره أن يعلمنا إياه.
كان خوسيه مارتي رجلا  غير اعتيادي واستثنائي حقا. نشأ من أب عسكري إسباني الجنسية مثل أمه، وأصبح رسولا وصانعا لاستقلال الأرض التي ولد فيها، أصبح رجل أفكار وشاعرا وهو في سن المراهقة بداية المعركة الرئيسية الأولى، وقدر فيما بعد على كسب قلوب واحترام القادة العسكريين ذوي المهنة والتجربة والمكللين بالمجد في تلك الحرب.

كان مارتي يشغف للسلام والوحدة والوئام بين البشر بحماس كبير، ولم يتردد في تنظيم الحرب العادلة والضرورية ضد الاستعمار والعبودية والظلم والبدء بها. وهدر دمه بالأول وحياته الأولى في التضحية كرمز لا يمحى عن الحب للغير وعن النزاهة. وتعرض للنسيان لمدة طويلة من الزمن في الشعب الذي ناضل في سبيل استقلاله لكن بعد نصف قرن تقريبا من وفاته انبثقت من رماد رفاته – كالعنقاء- أفكاره الخالدة ليخوض شعبه الكامل معركة عملاقة  لمواجهة أقوى عدو عرفته دولة كبيرة أو صغيرة في التاريخ.

واليوم عند حلول العام 150 من ميلاده، يقوم مئات من المفكرين والمثقفين اللامعين من جميع أنحاء العالم بتكريم وتقدير شخصيته وحياته وإنجازاته بحماس كبير.

خارج كوبا ما الذي ورثه العالم منه؟ القدوة الفريدة والمثال العظيم عن قدرته على الإبداع وحبه للإنسانية يستحق بهما الخلود  على مر القرون.

لمَن ولماذا؟ لهؤلاء الذين يناضلون اليوم وسوف يناضلون غدا من أجل نفس الأحلام والأمل بإنقاذ العالم، ولأن الأقدار شاءت أن تحس البشرية اليوم بالمخاطر التي توقع هو بها ونبه إليها ببصيرته البعيدة وموهبته العظيمة.

إنه استشهد بتاريخ 19 مايو 1895، رائحا ضحية من أجل حق جميع سكان هذا الكوكب في الحياة.

في الرسالة المشهورة التي كتبها لصديقه الحميم (مانويل ميركادو) والتي لم يكملها لأنه قرر الذهاب إلى معركة غير متوقعة دون أن يستطيع أحد إيقافه، كشف مارتي عن أفكاره الأكثر عمقا والتي لن أكل عن تكرارها رغم أنها أصبحت معروفة: "لقد أصبحت حياتي معرضة للخطر كل يوم في سبيل بلادي وواجبي [...] واجبي في أن أمنع بتحقيق استقلال كوبا أن تبسط  الولايات المتحدة هيمنتها على جزر الأنتيل وأن تقع بهذا جبروتها المتزايد على أراضي قارتنا الأمريكية (أمريكتنا). وكل ما قمت بفعله حتى الآن وسأقوم به هو في سبيل ذلك. "

قبل أسابيع من ذلك، عندما وقَع في سانتو دومينغو على بيان (مونتكريستي) مع المناضل الوطني الفذ (ماكسيمو غوميس) وهو من أصل دومينيكاني اختاره مارتي مقام القائد العسكري لجيش الكوبي قبيل مغادرته نحو كوبا، سجل مارتي فكرة  لامعة من عديد الأفكار الثورية الرائعة الأخرى التي كتبها والتي أحتاج لتكرارها حتى وإن طالكم الملل: "الحرب من أجل استقلال كوبا [...] حدث ذو أبعاد إنسانية كثيرة، إنها خدمة مناسبة تقدمها جزر الأنتيل ببطولة وحكمة لثبات الأمم الأمريكية ولتوازن العالم الذي لا يزال يتعثر."

بكم من الزمن سبق مارتي أوانه بهذه الفكرة التي أصبحت الموضوع الرئيسي لهذا الملتقى. ليس هناك شيء أكثر ضرورة وحيوية من هذا التوازن البعيد والخيالي على ما يبدو.

وبعد مائة وست سنة وخمسة أشهر وستة وعشرين يوما بعد البيان الذي اعتمده مارتي وغوميز في بلدة مونتكريستي  تفوه رئيس الولايات المتحدة، في كلمة ألقاها بتاريخ 20 سبتمبر 2001 أمام الكونغرس الأمريكي بالعبارات التالية:
"سوف نستخدم كل وسيلة حربية ضرورية."
"ليس على الولايات المتحدة التوقع بمعركة واحدة وإنما بحملة مطولة، حملة لا مثيل لها في تاريخنا."
"على أية أمة، في أي مكان، أن تتخذ قرارها الآن: إما أن تكون معنا أو مع الإرهابيين".
"لقد طلبت من القوات المسلحة أن تكون على الأهبة، وهناك سبب لذلك: حان الوقت تقريبا لنباشر بالتحرك  وسوف تجعلوننا نشعر بالافتخار ".
"هذا النضال حضاري ".
" إنجازات عصرنا وآمال العصور التالية تعتمد علينا نحن".
" لا نعرف ما سيكون عليه مسار هذا النزاع، ولكنا متأكدون من النتيجة النهائية. [...] ندري بأن الله ليس بمحايد."
في خطاب ألقاه بتاريخ 1 يونيو/حزيران 2002 بمناسبة  الذكرى المئوية الثانية لنشوء  أكاديمية (ويست بوينت) العسكرية أدلى الرئيس الأمريكي من بين أمور أخرى، بما يلي:
"في العالم الذي دخلناه، الطريق الوحيد للأمن هو التحرك. وهذه الأمة سوف تتحرك.
"سوف يتطلب ذلك أن تكون القوات العسكرية تحت إمرتكم على أكمل الاستعداد ات للهجوم على أي ركن مظلم من العالم، [...] أن تكون جاهزة للعمل الوقائي عند ضرورة الدفاع عن حريتنا والدفاع عن حياتنا.
"علينا كشف الخلايا الارهابية في 60 بلدا أو أكثر.
[...]
"سوف نرسل دبلوماسيينا حيث الحاجة إليهم، وسوف نرسلكم أنتم، جنودنا، حيث الحاجة إليكم.
[...]
"إننا في خضم الصراع بين الخير والشر. [...] ولم نخلق المشكلة وإنما كشفنا عن وجود المشكلة. وسنقود العالم في التصدي للمشكلة ".

أسئل نفسي ما هي الأفكار التي دارت بسرعة الضوء في الذكاء العبقري لرجل مثل مارتي، لتجرِّح عميق قلبه العظيم لو سمع تلك الكلمات في عالم يسكنه اليوم أكثر من 6 آلاف و400  كائن بشري يرون - لسبب أو لآخر- آمالهم في البقاء مهددة سواء كانوا في الثراء الفاحش أو الفقر المدقع.

تلك الكلمات لم يتفوه بها رجل مجنون في زاوية مظلمة من مستشفى للمجانين. وإنما هي (الكلمات) مدعومة بعشرات الآلاف من الأسلحة النووية، والملايين من القنابل والقذائف المدمرة، وعشرات الآلاف من الصواريخ الموجهة من بعيد بدقة، وآلاف القاذفات والطائرات المقاتلة يقودها طيارون أو لا ، وبعشرات الأسراب البحرية وحاملات الطائرات والغواصات البحرية ذات الاندفاع النووي أو التقليدي، وبالقواعد العسكرية المرخص بها  أو غير المرخص في كافة أنحاء العالم، وبالأقمار الصناعية العسكرية التي تقوم برصد كل كيلومتر مربع من الكوكب بهدف التجسس، وبأنظمة اتصالات آمنة وفورية تقدر على سحق تجهيزات أي بلد آخر واعتراض مليارات من المكالمات الهاتفية في آن واحد؛ مدعومة تلك الكلمات بترسانات هائلة من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وبميزانيات للإنفاق العسكري تقارب 400 مليار دولار يمكن بها حل العديد من المشاكل الرئيسية في العالم. هذه التهديدات تفوه بها مَن يملك هذه الوسائل ويمكن له أن يأمر باستخدامها. الذريعة؟ هجوم 11 سبتمبر الإرهابي والوحشي الذي راحت ضحية له آلاف من الأميركيين. وتعاطف العالم كافة مع الشعب الأمريكي وأدان الهجوم بغضب. وبدعم الرأي العام العالمي الجماعي أمكن مواجهة آفة الإرهاب من جميع الزوايا وجميع التيارات السياسية والدينية.

والمعركة، كما طرحت كوبا، انبغى أن تكون سياسية وأخلاقية أساسا لمصلحة جميع شعوب العالم وبدعمها. لم  يمكن لأحد التفكير بإمكانية مواجهة تلك المفاهيم الإرهابية غير المعقولة وغير الشعبية والسخيفة التي تمس الأبرياء والتي تطبقها جماعات وأفراد ومنظمات وحتى بعض الدول أو الحكومات باستخدام إرهاب الدولة الوحشي على مستوى الكون وإعلان حق قوة عظمى في إبادة شعوب كاملة باستخدام السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل.

وفي هذه اللحظة التي نحتفل فيها بالذكرى الـ150 لميلاد خوسيه مارتي، وهو الرجل الذي طرح ربما للمرة الأولى في التاريخ مفهوم توازن العالم، ثمة حرب أوشكت على الاندلاع نتيجة لأكبر خلل وجد في التوازن العسكري على الأرض. وانتهت أمس المهلة التي بموجبها أعلنت أكبر قوة عظمى في العالم حقها الأحادي في أن تطلق ترسانتها من الأسلحة الأكثر تطورا ضد بلد آخر وذلك بموافقة مجلس الأمن للأمم المتحدة أو بدونها، تلك المؤسسة المشكوك بها بفعل كون حق النقض فيها امتيازا لخمس دول دائمة العضوية فقط، وبإنكارها التام لمبدأ الديمقراطية الأساسي لبقية الدول (200) التي لها تمثيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وحق النقض تم استخدامه من قبل ذات الحكومة التي تعلن اليوم حقها في أن تقفز على هذا المجلس. بينما استخدمته بقية الدول الخمس في مرات قليلة جدا. والتغييرات الجذرية التي جرت في ميزان القوى العسكري بين أعضائه أثناء السنوات ال 12 الماضية تجعل من المستحيل تقريبا أن يتم استخدام هذا الامتياز ضد رغبات مَن يملك قوة ساحقة ليس فقط  في المجال العسكري وإنما في المجال الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي.

الغالبية العظمى من الرأي العام العالمي تعارض هذه الحرب المعلن عنها. لكن الأهم من ذلك هو أنه وفقا للاستطلاعات الأخيرة في الرأي عارضت الـ 65 بالمائة من الشعب الأمريكي هذا الهجوم بدون موافقة مجلس الأمن. مع ذلك ليس هذا بعقبة منيعة: بعد إرسال القوات إلى المكان وتوفير جاهزيتها للعمل مع ضرورة اختبار الأسلحة أكثر تطورا، فإنه من المستبعد جدا ألا يتم شن مثل هذه الحرب إذا لم توافق سلطات البلد المهدَد على مطالب مَن يهددونه.

لا يمكن لأحد أن يعرف أو يخمن بما يمكن حدوثه في حرب أو حالة مماثلة. كل ما يمكن التأكيد عليه هو أن خطر نشوب الحرب في العراق أثر بحد كبير على الاقتصاد العالمي الذي يعاني اليوم من أزمة حادة وعميقة تسببت إلى جانب الضربة الانقلابية الفاشية ضد الحكومة البوليفارية في فنزويلا - واحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط - تسببت في ارتفاع أسعار هذا المنتوج الحيوي إلى مستويات لا تطاق بالنسبة للغالبية العظمى من البلدان الأخرى لا سيما الدول الأكثر فقرا، حتى قبل اطلاق الرصاصة الأولى في العراق.

لقد عم على نطاق واسع الاعتقاد بأن الغرض من الحرب في العراق هو الاستيلاء على ثالث أكبر احتياطي العالم  من النفط والغاز، الأمر الذي يثير القلق الكبير لدى معظم الدول المتقدمة الأخرى، مثل دول أوروبا التي تستورد 80٪ من الطاقة على عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي تستورد بالكاد ما بين 20 و 25٪ من استهلاكها حتى الآن.

يوم أمس الموافق 28 يناير في الساعة التاسعة مساء صرح الرئيس الاميركي أمام الكونغرس:

"الولايات المتحدة سوف تطلب من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يجتمع يوم 5 فبراير للنظر في الوقائع حول تحديات العراق للعالم.
[...]
"سوف نستشير المجلس لكن يجب ألا يكون هناك أي سوء فهم. إذا لم يتم نزع سلاح صدام حسين بالكامل، سوف نكون على رأس الحلف لنحقق هذا النزاع وذلك من أجل سلامة شعبنا ومن أجل السلام في العالم.
[...]

"وإذا اضطررنا للذهاب إلى الحرب، سوف نقاتل بكامل جبروت  قواتنا المسلحة."

ليس هناك كلمة واحدة حول موافقة مجلس الأمن المسبقة.

وإذا ابتعدنا عن عواقب الحرب الرهيبة في تلك المنطقة، الحرب التي يمكن للقوة العظمى الوحيدة أن تفرضها اعتباطيا، لرأينا أن الخلل في التوازن الاقتصادي الذي يواجه العالم اليوم هو بالمثل مأساة ضخمة.

الخلافات بين البلدان الغنية والفقيرة، - بينها وداخلها- تزداد وتتعمق، أي أن الفجوة في توزيع الثروة تنمو الأمر الذي يشكل أسوأ آفة في عصرنا بما يصاحب ذلك من الفقر والجوع والجهل والمرض والألم والمعاناة التي لا تطاق بالنسبة للإنسان.

لماذا لا نتجرأ على القول بأن الديمقراطية وحرية الاختيار والحرية الحقيقية لا يمكن وجودها في ظل عدم المساواة الرهيبة والجهل والأمية المطلقة أو الوظيفية، وفي ظل الافتقار إلى المعرفة والثقافة السياسية والاقتصادية والعلمية والفنية التي لا يمكن أن يحصل عليها إلا الأقليات الضئيلة داخل البلدان المتقدمة، في حين أن العالم مغمور في تريليون من الدولارات يتم إنفاقها في الدعاية التجارية والاستهلاكية التي تبث السم في الجماهير بالأحلام والرغبات التي يتعذر الوصول إليها، مما يؤدي للبذر والاغتراب وتدمير شروط الحياة الطبيعية بدون هوادة؟ في غضون نصف قرن بالكاد سوف تُستنفد موارد الطاقة والاحتياطيات المؤكدة والمحتملة التي احتاجت الطبيعة لـ300 مليون سنة لخلقها، وليس هناك بالكاد بديل في الأفق يمكن أن تعتمد عليه الحياة.

ما الذي تعرفه الجماهير حول المشاكل الاقتصادية المعقدة التي تواجه العالم اليوم؟ مَن علمهم ما هو صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات المماثلة الأخرى؟ من شرح لهم مضامين الأزمة الاقتصادية وأسبابها ونتائجها؟ من قال لهم إن الرأسمالية وحرية التجارة والمنافسة الحرة تلاشت بالكاد، وأن 500 شركة كبيرة عابرة للحدود الوطنية تسيطر على 80٪ من الإنتاج العالمي والتجارة العالمية؟ مَن علَمهم حول البورصة، والمضاربة المتزايدة في أسعار المنتجات التي تعتمد عليها دول العالم الثالث، وفي بيع وشراء  النقود التي تبلغ اليوم حد التريليونات من الدولارات كل يوم؟ مَن جعلهم يعرفون أن عملات العالم هي مجرد قطعات أوراق تفقد قيمتها باستمرار وأن احتياطيهم النقدي الحقيقي أو شبه الحقيقي يهرب لا محالة نحو البلدان الغنية كقانون نيوتن الفيزيائي، والعواقب الاجتماعية الوخيمة لهذا الواقع؟ أو لماذا علينا ملايين من ملايين الديون غير القابلة للسداد أو غير القابلة للتحصيل، بينما أن عشرات الملايين من الناس، بمن فيهم الأطفال ما دون الخمسة من العمر، يموتون كل سنة جوعا أو بسبب أمراض قابلة للعلاج؟ كَم هم أولئك الذين يعرفون أن سيادة الدول معدومة تقريبا بموجب معاهدات  لا نشارك نحن، دول العالم الثالث، في إعدادها وصياغتها بينما يتم استغلالنا واضطهادنا على نحو متزايد بموجبها؟ كم هم الذين يدرون بأن ثقافاتنا الوطنية يجري تدميرها باستمرار؟

قد تكون الأسئلة لا نهاية لها. ويكفي هناك سؤال إضافي نطرحه على الذين يعيشون في النفاق والكذب حول أقدس حقوق الإنسان وحقوق الشعوب والإنسانية جمعاء: لماذا لا نبني نصبا تذكاريا حيا على شرف الفكرة العظيمة التي قال بها مارتي ألا وهي : "العلم هو السبيل الوحيد للحرية "؟
أؤكد على ذلك باسم شعب واقع تحت وطأة حصار صارم وحرب اقتصادية لا ترحم، أضيف إليها أنه فقد بشكل شبه تام تجارته وأسواقه في الخارج عندما تكفف المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي، وصمد على مدى أربعة عقود (تصفيق ) وهو يصنف اليوم كأحد الشعوب الأكثر وحدة ونموا ومعرفة أساسية وثقافة سياسية وثقافة فنية في العالم.
وإذا كان هناك شيء اتقننا فيه تكريم ذكرى بطلنا الوطني الذي نحتفل اليوم بتاريخ مولده المثمر، فهو أننا أثبتنا أن دولة صغيرة وفقيرة يمكن لها أن تنجز الكثير بالقليل بغض النظر عن الأخطاء المستحيل تفاديها اثناء العملية الثورية ودروسها.

إن أعظم ضريح من الكوبيين لخوسيه مارتي هو أننا بنينا هذا الخندق دافعنا عنه لكي لا يقع أحد بجبروته المتزايد على عاتق شعوب أمريكا وشعوب العالم.

لقد تعلمنا منه قيمة الأفكار وقوتها اللامتناهية.

النظام الاقتصادي المفروض على الإنسانية من قبل جارتها الشمالية القوية لا يمكن استدامته ولا تحمله. والأسلحة الأكثر تطورا لا فائدة لها لوقف سير التاريخ .

أولئك الذين وفروا لمدة قرون أو ما زالوا يوفرون القيمة الفائضة ويد العمل الرخيصة أصبحوا اليوم مليارات من الناس لا يمكن إبادتهم كالذبان لأن الوعي بالظلم عليهم عبر الجوع والفقر والإذلال الذي يعانون منه كبشر هذا الوعي أخذ يزداد ليس بفعل المدارس التي يفتقرون إليها أو التعليم الذي يحرمون منه وإنما بفعل أكاذيب الاحتكارات القديمة واستخدام  وسائل الإعلام  والإفراط  فيه بالذي يحاولون إبقائهم في القهر الأبدي. لقد تعلموا دروسا بليغة مؤخرا في إيران والإكوادور وإندونيسيا والأرجنتين: دون اطلاق رصاصة واحدة يمكن للجماهير الاكتساح بالحكومات.

يقل ويقل عدد الجنود المحليين المستعدين لإطلاق النار على أبناء وطنهم وإغراقهم في الدم. لا يمكن حكم العالم بجندي أجنبي يحمل بندقية وخوذة وحربة في كل مصنع وفي كل مدرسة وفي كل حديقة وفي كل مجتمع  كبير أو صغير.

هناك عدد متزايد من المثقفين والعمال المتعلمين وأصحاب المهن وأفراد الطبقة الوسطى في البلدان المتقدمة انضموا للكفاح من أجل إنقاذ البشرية من الحروب التي لا هوادة فيها ضد الشعوب والطبيعة.

لقد تبين على مر التاريخ أن الحلول العظيمة ظهرت أثناء الأزمات الكبرى، وأن الزعماء والقادة البارزين ظهروا أثنائها وولدوا منها.

لا يجب أن يعتقد أحد بأن الأفراد هم الذين يصنعون التاريخ. هناك عوامل ذاتية ذات تأثير وهي تسرع أو تؤخر العمليات التاريخية بنجاحاتهم أو بأوجه القصور فيهم وأخطاءهم  لكنهم لا يجزمون النتيجة النهائية. وحتى رجل عظيم كخوسيه مارتي – ينطبق القول أيضا على (بوليفار) و(سوكري)و (خواريز) و( لينكولن) وغيرهم من العظماء مثلهم-  أمكن أن يصبح معروفا في التاريخ لو ولد، على سبيل المثال، قبل ثلاثين عاما أو بعد.

في حالة كوبا، لو ولد بطلنا القومي في عام 1823 وبلغ الـ  30 من العمر في عام 1853 في مجتمع عبودي يميل لانضمام للحكم الاستعماري يملك الأقوياء فيه مزارع ضخمة وعدد هائل من العبيد، بدون أن يكون هناك قد نشأ الشعور القومي والوطني الذي أنشأه الرواد الذين بدأوا حربنا الاستقلالية الأولى في عام  1868، ما أمكن  أن يلعب مارتي الدور الهائل الذي لعبه في تاريخ بلدنا.

لذلك أعتقد اعتقادا قويا بأن المعركة الكبرى سوف يتم خوضها في ميدان الأفكار وليس في ميدان الأسلحة، مع أنه لا يمكن التخلي عن وظيفتها في حالات مثل بلدنا أو في حالة أي بلد آخر يواجه ظروفا مماثلة إذا ما فرضت الحرب علينا، لأن كل جيش وكل سلاح وكل استراتيجية وكل تكتيك لها طرح مضاد ينشأ من ذكاء الذين يناضلون من أجل قضية عادلة، هذا الذكاء الذي لا ينضب.

حتى في الشعب الأمريكي نفسه الذي لم ننظر إليه أبدا كعدو ولا نعتبره مسؤولا عن التهديدات والهجمات التي عانينا منها خلال أكثر من 40 عاما، يمكننا - انطلاقا من جذوره الأخلاقية - أن نجد صديقا وحليفا محتملا لقضايا الإنسانية العادلة (تصفيق). لقد رأينا ذلك في حرب فيتنام ورأيناه أيضا في حدث مسّ بشعورنا العميق وهو اختطاف الطفل (اليان غونزاليس)، ولقينا ذلك أيضا في دعم الشعب الأمريكي لنضال (مارتن لوثر كينغ)، ورأينه  إلى جانب الكنديين وشعوب أمريكا اللاتينية وشعوب أوروبا في سياتل وكيبيك ضد العولمة الليبرالية. وبدأنا نراه في معارضتهم لحرب لا لزوم لها لم تنل حتى موافقة مجلس الأمن على الأقل. وسوف نراه غدا مع الشعوب الأخرى في العالم وهم يدافعون عن السبيل الوحيد الذي يمكن به بقاء الجنس البشري وحفظه من حماقات البشر.

وإذا كان لي أن اقترح شيئا على الزوار المجتمعين هنا فهو ما أراكم بدأتم بفعله. رغم ذلك وحتى وإن طالكم الملل أتجرأ على تكرار الفكرة التالية وإعادة تأكيدها: إزاء الأسلحة الحديثة والمدمرة التي يريدون تخويفنا بها وإخضاعنا لنظام عالمي اقتصادي واجتماعي غير عادل وغير عقلاني وغير قابل لاستدامة إزاء كل ذلك علينا أن نزرع  الأفكار ونزرع الوعي، زراعة الأفكار وزراعة الوعي دون كلل!

شكرا جزيلا.
(تصفيقات)