إن صراعنا ليس بصراع مع الشعب الأمريكي ولن يكون كذلك أبداً. ربما لا يتم في أي بلد آخر استقبال المواطنين الأمريكيين بالاحترام وحسن الضيافة اللذين يتم استقبالهم بهما في كوبا. لم يسبق أبداً أن تم في كوبا تذنيب شعب الولايات المتحدة أو زرع الحقد تجاهه بسبب الاعتداءات التي تعرضنا لها من جانب حكوماته. لو حدث ذلك لتنافى مع عقائدنا السياسية ووعينا الأممي، الذي خضع للتجربة على مدى سنوات كثيرة، وهو وعي يتجذر يوماً بعد يوم في فكرنا.
في العشرين من أيار/مايو، يوم المشهد المخزي لمجلس ميامي، بعث السخرية سماع السيد و. بوش وهو يتحدث باحتدام عن الاستقلال والحرية –ليس بالنسبة لبورتوريكو وإنما بالنسبة لكوبا-، ويحكي الكثير عن الديمقراطية، -ليس بالنسبة لفلوريدا وإنما بالنسبة لكوبا. وكان للسيد و. بوش تركيزاً خاصاً على الدفاع عن الملكية الخاصة، كما لو أن هذه الملكية ليست موجودة في كوبا.  
قلت بأننا سنرد جميعاً على السيد و. بوش. أطفالنا، وفتيتنا، وشبابنا الطلاب؛ وعمالنا وفلاحونا ومهنيونا؛ وصحافيونا ومؤرخونا وفنانونا ومثقفونا وعمالنا؛ وثوار الأمس وثوار اليوم؛ شباناً وكباراً، وبشكل خاص أمهات وأطفال وأقرب أقرباء الذين عانوا بشكل مباشر أو عانى ذووهم 43 سنة من الإرهاب الهمجي والاعتداءات والحصار القاتل المرتكبة جميعها على يد حكومات الولايات المتحدة بحق شعبنا، أخذوا يسحقون كلمات السيد و. في ميامي من أساسها.
اجتمعتُ في الخامس من حزيران/يونيو، أي قبل ثمانية أيام بالضبط من الآن، مع قادة المنظمات الجماهيرية من أجل بحث المشروع الذي كانوا يزمعون تقديمه إلى الجمعية الوطنية بعد الموافقة المسبقة من قبل لقياداتهم الوطنية كرد على خطاب السيد و. بوش أمام مافيا ميامي الإرهابية، واقترحتُ عليهم ثلاثة أمور. أولاً، المناقشة العامة لهذه الفكرة أمام الشعب برمّته؛ ثانياً، تعبئة الشعب كاملاً دعماً لمثل هذا الرد المحق والكريم والساحق؛ ثالثاً، توفير الإمكانية لكل مواطن ذي حق بالتصويت، وفيما يشكل ممارسة كاملة لهذا الحق، بأن يوقّع هذا المشروع التاريخي ويتبنّاه.
عن الأول، قرأت بنهم كل ما كان يَحكي عنه. وطالما نظرت إليه كأسطورة. والست عشرة إصابة بجروح والأكثر من ثمانمائة عمل حربي التي شارك فيها تتجاوز حدود خيال فتى أو شاب، ليظهر أمام ناظرينا كإله حرب. كان يتراءى لي في مساحة يصعب حصرها، بهامة متمادية الطول وعلى مسافة بالغة. وفي وقت لاحق، ساعدتني التجربة المتواضعة لحربنا الثورية ذاتها على رؤية ذلك الرجل ما فوق العادي على مسافة أقرب.
من الطريف الملاحظة بأنه في خطاب الرئيس بوش الضارب يمنة ويسرة، والذي ألقاه مرتين في ذات اليوم، العشرين من أيار/مايو، هناك فارق ذكي. فخطاب البيت الأبيض لم يشر إلى كلمة تعذيب ولا إلى العبارة النابية عن جيوب كاسترو وأتباعه. لقد قرأ هذه في خطاب مركز "جيمس ل. نايت" لكي تكتمل متعة أصدقائه في ميامي، وهم أنفسهم الذين داسوا بغضب وأحرقوا رايات الولايات المتحدة حين عاد إليان إلى بيته وأهله، وهو فعل لم يسبق له أن حدث أبداً في كوبا منذ انتصار الثورة.
ماذا نحن وماذا سنكون غير تاريخ واحد، وفكرة واحدة وإرادة واحدة لكل آن وزمان؟ في السادس والعشرين من تموز/يوليو هذه السنة: ما هي عليه صورة سجيغو دي أفيلا ومورون، الطريق الذي حاول به العدو في الماضي تقسيم البلاد شرقاً وغرباً؟ إنهما سبيل لا يُهزم، يربط الفكر والبطولة والإرادة في النضال عند الحصن الذي لا يُخمد، والذي أراد مارتيه عبر استقلاله أن يحول، بل وحال، دون تمكن الجار الشمالي الجبار والتوسعي من أن يمد شرائبه عبر جزر الأنتيل، بهذه القوة الإضافية، ليجثم فوق أراضي أمريكانا.
عندما بدأ تنفيذ هذا البرنامج، لم يكن يتوفر رصيد آخر غير بطولة معلمي المدينة، والروح الثورية التي يتمتع بها شعبنا، والمنشآت الدراسية العديدة والرأسمال البشري العظيم الذي أوجدته الثورة. كان لا بد من الارتقاء إلى الدرجة المثلى بالموارد الدنيا المتوفرة لتنفيذ مثل هذا البرنامج، ومضاعفتها عملياً.
ذلك: يجب أن تنظَّم الآليات اللازمة في العاصمة بدون إضاعة دقيقة واحدة، انطلاقاً من البلديات والمجالس الشعبية، من أجل الشروع بأي ترميم أو إصلاح تحتاج له أي مدرسة كانت على الفور. لا بد من إجراء الحسابات اللازمة والدقيقة والأكيدة، والعقلانية واقتصادية على الإطلاق، بوعي صارم لتوفير المواد اللازمة وحمايتها، وذلك في سبيل بقاء ال‍ 779 مدرسة التي شملها برنامج الإعمار في الوضع الأمثل والمشجِّع والجميل الذي نفتتحها به. يجب أن تنشأ عند الأطفال والمعلمين والآباء والسكان والأهل عامة ثقافة حقيقية لحماية وصيانة المدارس ومواردها ومعداتها. لا يمكن لشيء أن يكون أكثر نبلاً وإنسانية ودافعاً ومفيداً من مدرسة.
ومنذ ذات اللحظة التي انتصرت فيها الثورة، كان التعليم وسيبقى دائماً أحد الأهداف الأساسية لنضالنا الملحمي من أجل الوصول إلى مجتمع عادل وحر وإنساني بالفعل. والتجربة المُعاشة والنتائج المحرزة تجعل من غير الضروري البرهنة على ذلك. إن ما بدأ بحملةٍ لمحو الأمية عند شعب كانت الأغلبية الساحقة من أبنائه أميين كلياً أو وظيفياً، حيث أقل بالعشرة بالمائة من الفتيان والبالغين كان قد وصل إلى الصف السادس ولم تكن ثقافتهم السياسية تتعدى الحدود المفروضة من قبل النظام الحافز للغباء، نظام الاستغلال الاقتصادي والكذب والأفكار المُفسِدة المفروضة على شعبنا، آخذ بالتحول اليوم إلى أكبر تجربة في التطور التعليمي والثقافي…
ضمن المفهوم الجديد، سيقوم كل أستاذ متكامل بتعليم 15 فتى فقط وسينتقل مع تلاميذه من الصف السابع حتى الصف التاسع؛ سيكون صديق كل واحد منهم وناصحه وموجّهه؛ وسيحافظ على اتصال وثيق ومنتظم مع أبويه، وسيُطلع هذين باستمرار على وضع ابنهم وسيلتمس تعاونهما. الوسائل المسموعة والمرئية ومختبرات الكمبيوتر ستحسّن الوضع الحالي، حتى ولو استمر لبعض الوقت النقص في عدد غرف الصفوف والأساتذة، إلى حين توفير منشآت مدرسية جديدة وتأهيل الطاقم التعليمي اللازم لهذه الطرق الجديدة.
أتوجه بالشكر للأمين العام لمنظمة اليونيسكو، السيد كويشيرو ماتسورا، على الرسالة اللطيفة والكريمة التي وصلتنا قبل أيام وقليلة، ويبلغنا فيها حرفياً: "في الاجتماع المنعقد في باريس، في الأول من تموز/يوليو 2002، قررت اللجنة التحكيمية للجائزة الدولية للحملة الدولية لمحو الأمية منح جائزة فخرية من الجائزة الدولية "الملك سيخونغ" ل‍ "عملية محو أمية التي تقوم بها وسائل الاتصال العامة، خيار للبلدان النامية، الكوبية".